فخر الدين الرازي
46
تفسير الرازي
الرياح العقم ، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكرها . المسألة الرابعة : قال هنا * ( في يوم نحس مستمر ) * وقال في السجدة : * ( في أيام نحسات ) * ( فصلت : 16 ) وقال في الحاقة : * ( سبع ليال وثمانية أيام حسوما ) * ( الحاقة : 7 ) والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في قوله تعالى : * ( يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ) * ( مريم : 33 ) وقوله : * ( مستمر ) * يفيد ما يفيده الأيام لأن الاستمرار ينبئ عن إمرار الزمان كما ينبئ عنه الأيام ، وإنما اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى ، لأن الحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار ، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره ولذلك لم يصفها ، ثم إن فيه قراءتين إحداهما : * ( يوم نحس ) * بإضافة يوم ، وتسكين نحس على وزن نفس ، وثانيتهما : * ( يوم نحس ) * بتنوين الميم وكسر الحاء على وصف اليوم بالنحس ، كما في قوله تعالى : * ( في أيام نحسات ) * فإن قيل أيتهما أقرب ؟ قلنا : الإضافة أصح ، وذلك لأن من يقرأ : * ( يوم نحس مستمر ) * يجعل المستمر صفة ليوم ، ومن يقرأ يوم نحس مستمر يكون المستمر وصفاً لنحس ، فيحصل منه استمرار النحوسة فالأول أظهر وأليق ، فإن قيل : من يقرأ يوم نحس بسكون الحاء ، فماذا يقول في النحس ؟ نقول : يحتمل أن يقول هو تخفيف نحس كفخذ وفخذ في غير الصفات ، ونصر ونصر ورعد ورعد ، وعلى هذا يلزمه أن يقول تقديره : يوم كائن نحس ، كما تقول في قوله تعالى : * ( بجانب الغربي ) * ( القصص : 44 ) ويحتمل أن يقول : نحس ليس بنعت ، بل هو اسم معنى أو مصدر ، فيكون كقولهم يوم برد وحر ، وهو أقرب وأصح . المسألة الخامسة : ما معنى * ( مستمر ) * ؟ نقول فيه وجوه الأول : ممتد ثابت مدة مديدة من استمر الأمر إذا دام ، وهذا كقوله تعالى : * ( في أيام نحسات ) * ( فصلت : 16 ) لأن الجمع يفيد معنى الاستمرار والامتداد ، وكذلك قوله : * ( حسوماً ) * ( الحاقة : 7 ) الثاني : شديد من المرة كما قلنا من قبل في قوله : * ( سحر مستمر ) * ( القمر : 2 ) وهذا كقولهم أيام الشدائد ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي ) * ( فصلت : 16 ) فإنه يذيقهم المر المضر من العذاب . ثم قال تعالى : * ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : * ( تنزع الناس ) * وصف أو حال ؟ نقول : يحتمل الأمرين جميعاً ، إذ يصح أن يقال : أرسل ريحاً صرصراً نازعة للناس ، ويصح أن يقال : أرسل الريح نازعة ، فإن قيل : كيف يمكن جعلها حالاً ، وذو الحال نكرة ؟ نقول : الأمر هنا أهون منه في قوله تعالى : * ( ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ) * ( القمر : 4 ) فإنه نكرة ، وأجابوا عنه بأن * ( ما ) * موصوفة فتخصصت فحسن جعلها ذات الحال ، فكذلك نقول ههنا الريح موصوفة بالصرصر ، والتنكير فيه للتعظيم ، وإلا فهي ثلاثة فلا يبعد جعلها ذات حال ، وفيه وجه آخر ، وهو أنه كلام مستأنف على فعل وفاعل ، كما تقول : جاء زيد جذبني ، وتقديره جاء فجذبني ، كذلك ههنا قال : * ( إنا أرسلنا عليهم ريحاً ) * ( القمر : 19 )